مغتربون لـ«البديل»: الثورة قدمتنا إلى العالم بصورة جديدة
جدّة - الدوحة - البديل ... لم يكن عام 2011 مجرد امتداد للزمن بالنسبة للسوريين، بل كان نهاية لعقود طويلة ، وربما قرون، من طغيان السلطان والحاكم. وإذْ تمّ تناول التأثيرات السياسية المستقبلية للعام الماضي وكتابة السوريين لفصل جديد يقوم على مبدأ : «حريتي أولاً»، فإن قضية «الشخصية السورية» التي شكلتها الانتفاضة بقيت بعيدة عن التحليل والرصد رغم أنها في صلب الاجابة عن أسئلة التعجب من قبيل : كيف صمد الثوار كل هذا الوقت أمام آلة عنف تعتبرهم مجرد عبيد في مزرعة؟. حاولنا في هذا التحقيق سبر أغوار شخصية المواطن السوري المغترب ، وكيف تعرضت أركان هذه الشخصية القديمة إلى زلزال حطم كل التابوهات التاريخية التي ورثها اجتماعياً، فالحكم في سوريا يورّث ، وكذلك الخوف.
محمد علي (33 عاماً)، مقيم في تركيا، رصد التغيرات الهائلة التي طرأت على شخصيته خلال عام 2011 ، ويرى أن السوري لم يكن لديه شيء ليفخر به باسم الوطن سوى الدراما. ويوضح أن السوري كان مثار سخرية من أشخاص عرب حتى من السودان، بعضهم كان ينعت السوريين بالجبناء ، وهذه واحدة من أقبح الصفات التي منحها لنا بشار الأسد ووالده، فطريقة توريث الحكم كانت مذلّة للشخصية السورية ، وكانت ضربة لكل القيم التاريخية التي كان السوري يتغنى بها. ويضيف : أثّرت الصورة التي حكم فيها بشار الأسد على بيئة العمل للمواطن السوري المغترب ، مؤكداً أنه رغم مجاهرته بمعارضة النظام ، إلا أن صفة «البعثي» كانت تلاحقه أينما حلّ. ويقول :»تقدمت للعمل في مجلة فنية عربية لديهم مكتب في اسطنبول ، فسألني مدير المكتب متهكماً: هل أنت بعثي؟ لم أحتمل أن تلتصق بي هذه الصفة، فرفضت العمل معهم رغم تقديمه اعتذاراً لي». ويضيف : المشكلة أنه عندما كان أي شخص يريد إهانتنا خلال أي نقاش سياسي كان يواجهنا بشيء لا يمكننا إلا أن نطأطئ رأسنا به. بماذا سأرد على من يواجهني بالقول : اسكت..أنتم عدلتم الدستور في نصف ساعة لتورثوا الحكم لبشار الأسد في دولة جمهورية».
لكن محمد علي اليوم هو السوري الذي يثور شعبه منذ عشرة شهور ضد النظام، هو ينتمي إلى ثوار لن يعودوا إلى منازلهم قبل إسقاط النظام حسب قوله. ويؤكد أن الدراما التي كان يعرف من خلالها العرب والعالم السوريين ذهبت إلى المزبلة ، وقال «سيعرفوننا من خلال ثورتنا، وليس من خلال وجه سلاف فواخرجي».
عبد الله محمود (29 عاماً)، مقيم في السعودية ، يراجع ما كان يخطط له في العام 2010 ويقارنه بما حققه في 2011 ، ويقول :»كنت يائساً إلى حد أني أصبحت أجاهر بتأييدي لبشار الأسد، والمقاومة، بما يترتب على ذلك من بقائه اللامحدود زمنياً في الحكم، ومعاملتنا كأطفال في حضانة. كانت خطتي تقضي بالانضمام إلى الطبقة الاقتصادية الفاسدة التي انتفعت من النظام خلال حكم بشار الأسد ، وبدأت بالتمهيد للعودة إلى سوريا مع مبلغ من المال يعينني على فتح مشروع، بالشراكة مع أحد ضباط المخابرات. كنت أسير في هذا الاتجاه الذي يناقض شخصيتي، وما نشأت عليه عائلياً بالابتعاد عن فساد السلطة، أو الانتفاع من اللصوص الأمنيين. لكن اليأس من تغير الأوضاع يدفع بالإنسان إلى الانجراف مع التيار». ويضيف: لقد بدأ الشاب السوري المغترب يعيد حساباته مع سقوط زين العابدين بن علي في تونس، ومن ثم حسني مبارك في مصر. ويستطرد :»لن أنسى اللحظة التي تنحى فيها مبارك، لقد بكيتُ بشدة، وعرفت أن سوريا باتت قريبة من الانفجار». ويقول إن «الثورة أنقذتني من التحول إلى عضو في نظام الأسد».
فواز الأحمد (27 عاماً)، مقيم في قطر، يرصد ظاهرة التقارب غير المعهود بين السوريين، ويرى أن هتافات الثوار في سوريا حررت السوريين في الخارج، فلم يعد الحذر المرضي يتحكم بنا خلال لقائنا أي سوري. والسؤال الأول الذي نسأله لأي شخص نلتقيه : هل أنت شبيح أم مندس؟. ويضيف :»الحذر الأمني الذي كان يكبّل الشخصية الحيوية للسوريين سقطت قبل سقوط سقوط النظام».
أماعبد الرحمن محمد ( 33 عاما)، مقيم في الامارات، قال: إنه بالرغم من كل التغيرات التي أحدثتها الثوارت في تونس ومصر وليبيا واليمن في تفكيري ووجداني إلا أن ذلك لا يقارن مع ما أحدثته ثورة الكرامة والحرية السورية، الثورة الأسطورية بكل معنى الكلمة، لقد غيرت الثورة السورية طريقتي تفكيري تجاه منطق المستحيل، كسرت الشعور بالهوان الذي اعتراني، وكلما ذكر أحدهم مقدار أهميته كإنسان في بلاده جعلتني الثورة أكثر اعتزازاً بسوريتي وبأبناء سوريا الأحرار.
ويضيف: علمتني الثورة في سوريا أسماء المدن والمناطق والقرى، وحتى الأحياء في سورية، أسماء ما كنت لأتعلمها يوماً لولا شجاعة أبنائها، وبسالتهم في التصدي للقمع والتشبيح.، وجعلتني ألغي مشروع الهجرة، هذا الحلم الذي رافقني منذ عشر سنوات وأكثر، لقد أصبح لي وطن الآن كي أعود إليه، وليس مزرعة لشخص يتقاسمها مع حاشيته وأعوانه.
ويتابع محمد : حتى عادات القراءة ومتابعة التلفاز غيرتها الثورة السورية، وباتت كلها تنبع من الثورة وتصب فيها، فأنا لم أعد أتابع الأفلام أو المسلسلات، لا شيء أجمل في نظري من مشاهد المظاهرات الشجاعة التي تتناقلها صفحات الإنترنيت المختلفة، وبصدق أصبحت أحب كل سوري ألتقيه من أي مكان كان، يقاسمني الإيمان بعظمة الثورة
السورية، وأهميتها لبناء إنسانيتنا كأبناء وطن واحد، فالثورة السورية هي ولادة حقيقية ليس فقط لسورية حرة، ولكن لنا أيضاً، وهي ولادة من جديد بروح ونفس وأمل وحب وإيمان وفرح وحزن وكل المشاعر النبيلة الأخرى، ولا أبالغ إن قلت أنها علمتني أن أحب الحياة وأقدرها أكثر.


التعليقات
أضف تعليق جديد