المعتقلون يهزمون النظام داخل السجون..ويقودون الثورة خارجها
دمشق-البديل ..... عند إطلاق الرصاصة الأولى في مدينة درعا، أيقن الشعب السوري بأن عصابة الأسد بشقيها الأمني والعسكري عادت لممارسة هوايتها المفضلة بالتوغل في اصطياد البشر والحجر، وقتل الثوار واعتقالهم بلا هوادة، ولم تتردد الأجهزة الأمنية في الدخول مع المنتفضين في سباق حسم معركة كسر الإرادة، بيد أن الشعب السوري وبريادة خيرة شبابه استفاق من سباته العميق وأبى الانحناء، والاندحار أمام للجلاد وأعوانه في هذه المرة، وكأن لغة السلاح وفنون التعذيب في أقبية السجون الذي يتمتع به النظام استثارته بشدة وجعلته أكثر تصلباً، بل قدمت له حكمة عظيمة مفادها حتمية قلع جذور الاستبداد، وعدم الترهل والتراجع في معركة الحرية قيد أنملة.
ومع تبني النظام سياسية الاعتقالات العشوائية بحق كوادر قيادية للثورة السورية على طول جغرافية البلاد وعرضها، اعتقد نظام الأسد وأجهزته أنهم بهذه الممارسات سيخمدون هدير الحناجر المطالبة بسقوطه، ويرغمون المنتفضين على التراجع والاستسلام، والحد في الوقت نفسه من تصاعد الزخم الشعبي للثورة، ولم يدركوا أن هذا السيناريو يعتبر بمثابة جرعة معنوية يقوي بها الثوار عزيمتهم ، وتحثهم على مواصلة نضالهم مهما يكن الثمن، هذا ما كان يقوله «سليم» الذي اعتقل في مدينة ركن الدين في سجون الأسد الدموية قرابة أربعة أشهر ونصف.
ويرى سليم الذي يعمل قيادياً في تنسيقية أحياء دمشق أن الناس الذي ينتفضون ضد الحكم الاستبدادي والشمولي كانوا على قناعة تامة أن التعرض للاعتقال أمر لا مفر منه، لكنهم وضعوا هالة الرعب جانباً، ولم يعد يخشون الاعتقال والتعذيب، وهذه الناحية بالذات كانت مكمن قوة الثورة السورية، ويشير سليم الذي اختبر شراسة القوى الأمنية داخل السجون بأن قلة قليلة من الذين اعتقلوا في التظاهرات أصيبوا بنوع من الإحباط والضعف جراء التعذيب الوحشي، ما حد من نشاطهم النضالي في الشارع، أما الغالبية العظمى من المعتقلين السابقين والذي يتواصل معهم يومياً، عادوا بقوة إلى نشاطاتهم الميدانية والسياسية، ومع الجسارة التي اكتسبوها في تجربة الفروع الأمنية، حيث لم يعد يمارسون أعمالهم بشكل سري، بل يتحركون علناُ، ولا يأبهون شيئاً على حد تعبيره.
ويضيف سليم وهو عضو في لجان التنسيقيات المحلية « قبل الزج بنا في الزنزانات وخشية من الاعتقال المحتمل كنا نتحرك بشكل خفي لمواصلة نضالنا الثوري، لكن عندما تصبح معتقلاً ومعروفاً لدى الدوائر الأمنية خاصة مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية تتهشم هالة الخوف من نفسك، وتسعى إلى أن تكون في مركز القيادة، وتغطي في الوقت نفسه معظم تحركات زملائك، وفي حال حدوث أي مكروه فأنك تتحمل المسؤولية بشكل كامل».
في حين يروي لنا «أحمد» وهو من تنسيقية أحياء دمشق، بأنه كان يتمنى لو مر بتجربة التعذيب في أقبية السجون قبل الثورة لتخلص من حاجز الخوف والرعب الذي كان متربصاً به قبل خوضه اختبار السجن، مشيراً إلى أنه في اللحظات الأولى من اعتقاله انتابه ذعر شديد نتيجة تذكره تلك الصورة الملتصقة في عقله حول الإرهاب الممارس في أقبية السجون، لافتاً إلى أن هذا الأمر كان بحد ذاته مشكلة نفسية كبيرة، وخاصة أن الناس كانوا يسمعون الكثير من القصص والروايات المخيفة حول زنزانات نظام الأسد، مثل ذلك المعتقل الذي قطعت يده جراء تعليقه أيام متواصلة في سقف السجن، والذي توفي تحت التعذيب، عدا عن الذي تشوه جسده كاملاً جراء الضرب بـ» الكرباج» يومياً.
ويتابع أحمد : في السجن، و بعد أن ينهالوا عليك الضرب بالسوط عدة أيام متواصلة ينكسر لديك حتماً حاجز الخوف، لدرجة أنك تفضل التعذيب على أن تمكث أياماً في ما يسمى بـ»المنفردة»، لافتاً أنه قضى ثلاثة عشر يوماً في المنفردة، من دون أن يرى وجه أحد في الخارج. ويقول أحمد إنه بسبب حالة العجز والملل الذي يعيشه المعتقل في المنفردة تتلاشى لديه مشاعر الخوف والرعب من المخابرات والتعذيب.
ويشير «مصطفى» وهو معتقل سابق إلى أن السجن زاده ومعظم المعتقلين إيماناً بضرورة زوال عصابات الأسد، وإخطبوط أجهزته الأمنية، وبات من المحال القبول بتحكم سطوة ورقابة أجهزة الأمن على رقاب الناس، ويضيف مصطفى وهو خريج جامعي في قسم الفلسفة : «أرفض أن أكون شخصاً أمياً يتنازل لأوامر بعض الشخصيات السلطوية المتحكمة التي تتدخل في رسم مصير حياتنا، وتفصل لنا مستقبلنا بناء على مقياسهم وأهوائهم «.
في حين يقول مهند وهو خريج قسم التاريخ في جامعة دمشق وكان معتقلاً في سجن عدرا المركزي بتهمة المشاركة في التظاهرات المناوئة للنظام في حي الميدان: تعرضت لتعذيب يعجز الكلام عن وصفه، وبعد الإفراج عني لم أتردد في اقتناص أية فرصة للخروج في التظاهرات ضد هذا النظام الدخيل على شعبنا، ولم أعد أرضى بالذل والإهانة الذي نعيشه والقبول باستمرار النظام الأمني، ولهذه الأسباب سأقاوم بكل ما أوتيت من قوة من أجل تغيير هذا الواقع المرير. ويضيف : يريدون إعادتنا إلى ما قبل 15 آذار، هذه هي المعركة.
ويعتبر مهند أن عصابة الأسد مصابة بعمى الألوان والانفصام الشخصي، لأنها تعتقد أنها باعتقالها الكوادر الأمامية للثورة ستنهي حراك الشارع الثائر، وتنقض على الثورة والثوار، لكن مهند يؤكد أن النظام بهذه العقلية وقع في زوبعة بات من العسير الخروج من دوامتها، حيث ازداد عدد المتظاهرين يومياً، وتحولت معظم شرائح الشعب السوري إلى قياديين، وأن قرار قيادة وتنظيم وخروج هذا الشعب إلى الشوارع بات بيد الشعب وحده، من دون الحاجة إلى مشورة القيادات الكلاسيكية المعروفة .


التعليقات
أضف تعليق جديد