حالة إنكار
لغرابة آليات عمل أنظمة الحكم الاستبدادية في البلدان العربية ولا سيما لجهة بقاء حكامها فترات زمنية فلكية في الحكم فضلا عن تمسكهم المسعور بكراسي السلطة، شخص المحللون النفسيون حالة رؤوس الأنظمة العربية التي طالها الربيع العربي، وحددوا ثلاث مراحل رئيسية تمر بها تلك الأنظمة، في مواجهتها مع قوى التغيير الثورية الصاعدة، وتلك المراحل هي مرحلة الصدمة، ومرحلة الإنكار، ومرحلة الاعتراف والقبول بالواقع، ومن ثم الرضوخ لمطلب رحيلهم، ولكنهم لم يتحدثوا عن فترات زمنية محتملة قد تستغرقها كل مرحلة، ولا العملية برمتها، لأن الوقت لم يسعفهم في الحالتين المصرية و التونسية، و ذلك لقصره، وكذلك ،ولو بصورة نسبية، في ليبيا واليمن.
لكن يبدو أن هؤلاء المتخصصين عاجزون حتى الآن عن تحليل الحالة السورية التي لا تزال مرحلة الإنكار فيها تلقي بظلال دامية على الشعب السوري، ولاسيما بعد خطاب الطاغية الأخير الذي تحدث فيه عن كل شيء ما عدا الشأن السوري ، فضلا عن أنه يحمل في طياته ، كما قال وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه إنكارا للواقع بصورة لا يمكن وصفها إلا بالمرضية، لا سيما في محاولة رأس عصابة النظام تشويه الوجه المشرق للثورة، ووصفها بأنها مجرد زوبعة في فنجان، من المقدور تجاوزها أمنيا.
من هنا تظهر ضرورة تقعيد مفردات القضية السورية برمتها، وتحديد طبيعتها المفاهيمية، استنادا إلى تطورات الميدان ، فهل هي أزمة كما تدعي عصابة النظام ؟ أم أنها انتفاضة ؟ أم أنها حركة احتجاجية ؟ أم ثورة ؟ أم هي حركة تغيير؟ لا شك بأنها ثورة بامتياز وصراع سياسي حقيقي على السلطة بين قوى مسيطرة وأخرى تسعى للسيطرة، ولذلك يتعين على الشعب السوري و قواه الثورية الاستعداد لخوض غمار معركة طويلة نسبياً، بعيدا عن المثاليات، لأن طبيعة هذه العصابة تشير إلى أن نظامها لن يسقط بالضربة القاضية، وإنما بالنقاط .
حالة الإنكار السورية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، ومن شأنها أن تزيد جرعة الأعباء على قوى الثورة، ونشطائها وستضاعف حجم معاناة الثكالى من الأمهات والأخوات والبنات اللواتي يفقدن أحباء لهم في معركة التغيير الكبرى، لكن عزاءهن يبقى في الأمل برؤية سورية جديدة خالية من الاستبداد والجور .
الجميع يدرك ويستشعر الثمن الكبير الذي يدفعه أبناء وبنات الشعب السوري، لكن الجميع يعلم أيضاً أن أنصاف الثورات أكفان الشعوب، لذلك لا أحد يراوده أدنى شك بحتمية انتصار هذه الثورة المباركة، بعد أن أصبح من سابع المستحيلات العودة إلى حالة التعايش السابقة بين عصابة النظام والشعب السوري ، وبما أن مسيرات الشعوب تتقدم إلى الأمام دوماً، فإنه يمكن القول إنه مهما استمرت حالة الإنكار التي يعيشها النظام ورأس هرمه وأركانه هذه الأيام، فإنها ستنتهي بانتصار الشعب وقضيته.


التعليقات
أضف تعليق جديد